عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
294
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
الكنايات والمعميات الغريبة لأسماء من الطعام تداولها أهل هذا العصر وأعجبوا بها ، إذ يكني عن الجوع بأبي عمرة ، وعن الخوان بأبي جامع ، وعن الخبز الحواري بأبي نعيم ، وعن الجدي بأبي حبيب وعن الخل بأبي ثقيف ، وعن الملح بأبي عون ، وعن البقل بأبي جميل ، وعن السكباج بأم القرى ، وعن الهريسة بأم جابر ، وعن الفالوذج بأبي العلاء ، وعن الطست والإبريق بالمرجفين . يقول لنا الحريري : « ثم أوتيت وإياهم بموائد كالهالات دورا والروضات نورا ، وقد شحن بأطعمة الولائم ، وحمين من العائب واللائم » . تلك كانت زيارة لأحد التجار ، دعى فيها إلى وليمة عامة حضرها قوم كثير « فصادف نزولنا بسنجار ، أن أولم بها أحد التجار فدعا إلى مأدبته الجفلى من أهل الحضارة والفلا ، حتى سرت دعوته إلى القافلة « 1 » . أما عندما زار الحريري صوفيّا : « قال الصوفي لابنه ، وكان على شاكلته وشكله : اني لأخال أبا عمرة ( الجوع ) قد أضرم في أحشائهم الجمرة ، فاستدع أبا جامع ( الخوان ) فإنه بشرى كل جائع ، وأردفه بأبي نعيم ( الخبز الحواري ) الصابر على كل ضيم ثم عزز بأبي حبيب ( الجدي ) المحبب إلى كل لبيب ، المقلّب بين إحراق وتعذيب ، وأهب بأبي ثقيف ( الخل ) ، فحبذا هو من أليف ، وهلم بأبي عون ( الملح ) فما مثله من عون . ولو استحضرت أبا جميل ( البقل ) لجمّل أي تجميل . وهيا بأم القرى ( السكباج ) المذكّرة بكسرى ، ولا تتناسى أم جابر ( الهريسة ) فكم لها من ذاكر . وناد أم الفرج ( الجواذب ) ثم أقتك به ولا حرج ، واختم بأبي زيد فهو مسلاة كل حزين ، وأن تقرن به أبا العلاء ( الفالوذج ) تمح اسمك من البخلاء » ويتابع محذرا ابنه من احضار الطست والإبريق قبل استيفاء الآكلين وبلوغهم درجة الشبع فيقول : « وإياك واستدناء المرجفين ، قبل استقلال حمول البين ، وإذا نزع القوم عن المراس ( انتهوا من الطعام ) وصافحوا أبا اياس ( الغسول ) فأطف عليهم بالسرو ( البخور ) فإنه عنوان السرو ( السخاء والكرم ) » . وبعد أن أكلوا الطيبات وادهنوا بالطيب ، جففوا أيديهم . « وبعد أن غسلنا أيدينا تعاورنا المشوش . . . ثم تبوأنا مقاعد السمر وأخذ كل واحد منا يشول بلسانه وينشر ما في صيوانه « 2 » » . لقد تعقدت الحياة وتعقد معها الأدب وأصبح للناس أذواقهم الخاصة فيما يأكلون وفيما يشربون وذوق خاص في مصطلحات وألفاظ ابتدعوها فكأن اللغة العربية قد
--> ( 1 ) المقامة ( 18 ) . ( 2 ) المقامة : النصيبية .